أنماط الشخصية تختلف من شخص إلى آخر. ما يراه أحدهم أمراً هاماً ليس بالضورة أن يراه أخوه هاماً أيضا. و ما تعتقد أنه ضروري و لازم، يمكن أن يراه غيرك عكس ذلك تماماً. البعض يفضل الموت من أن يقف أمام اجمع من الناس و يخاطبهم. اذا فعلوا ذلك، ترتجف أوصالهم و يتصببون عرقاً و لا يستطيعون الوقوف على أقدامهم.
في المقابل، البعض منذ أن عرفناهم، نجدهم في المقدمة. في أي محفل تجدهم يمسكون المايكرفون و يتصدرون الحديث. في الغالب هؤلاء الأشخاص هم انفسهم الذين كانوا يشاركون بإلقاء حكمة أو معلومة أو حتى طرفة في فقرات البرنامج الصباحي في المدرسة – الذي يقومون هم بتقدمه!-
بعض الناس بطبعهم يحبون الكلام الكثير، البعض الآخر عكسهم، تضطر أن تسحب منهم الكلام سحباً. بعض الناس حساسون و سريعو الزعل. في المقابل تجد آخرين كأن جلدهم جد تمساح، مهما فعلت له فلن يتضايق أو يغضب.
الأمثلة لهذه الفروقات كثيرة جداً. لهذا من المهم أن يعرف الشخص التباين الذي يمكن أن يكون بين الناس بسبب السمات و الأنماط الشخصية المختلفة. و من المهم كذلك أن يعرف الشخص أين هو في هذا التباين. أن يعرف سماته الشخصية و يعرف ما يميزه. و يعرف كذلك نقاط قوته و نقاط ضعفه.
تلك المعرفة تساعده في أن يعرف ما يناسبه و ما لا يناسبه. يعرف ما يسبب له الضغط و يعرف ما ينجح فيه. الأمر الآخر الذي يستفيده الشخص من تلك المعرفة هو أن يعرف شخصيات من حوله الأمر الذي يساعده في تقديرهم و احترام ميلوهم و اهتماماتهم و دوافعهم و بالتالي يمكن أن يتعامل معهم بصورة أفضل.
أنماط الشخصية الخمسة
من أجل معرفة و تقدير التباين الذي أشرت إليه في الفقرات السابقة، تم عمل نموذج يساعد في فهمه.
النموذج يسمى السمات الخمس الكبرى للشخصية. و كما هو واضح من اسمه، فيه خمس سمات رئيسية. أي شخص تكون فيه هذه السمات بدرجات مختلفة.

1. الانفتاح على التجارب
يقصد بها استعداد الشخص لتجربة أشياء جديدة و مختلفة. الشخص المنفتح يفكر خارج الصندوق، لديه خيال خصب و يحب معرفة الكثير. تكون لديه اهتمامات متنوعة، ويكون مبدعاً، لماحاً و يفكر في بواطن الأمور.
الشخص المنفتح يكون محباً للتعلم، يستمتع بالأعمال الفنية و يحب المهن و الهوايات التي يكون فيها شيئ من الإبداع. و يحب كذلك لقاء أشخاص جدد و التعرف عليهم.
في المقابل، الشخص الذي تكون لديه سمة الإنفتاح على التجارب منخفضة، نجده يفضل الروتين على التنوع، و يكون غير حريص على معرفة الكثير.

2. الضمير
يقصد بهذه السمة مقدرة الشخص على التحكم في الإستجابة للمغريات، و الاستجابة بصورة مقبولة بالنسبة للمجتمع. الأشخاص الذين تكون لديهم هذه السمة مرتفعة يستطيعون كبح جماح أنفسهم عن المغريات الآنية في مقابل أن يصلوا إلى غاياتهم على المدى الأبعد.
كذلك يلتزمون بالضوابط و الموجهات. على سبيل المثال، من النادر أن من لديه سمة الضمير مرتفعة يتجاوز إشارة المرور الحمراء بسيارته.
من يتحلى بقدر مرتفع من هذه السمة نجدهم يخططون بشكل جيد، مرتبين و منظمين.
من الصفات التي يتصف بها من لديهم هذه السمة مرتفعة هي: الانضباط، العمل بجد، الاعتمادية، الهمة للعمل، المثابرة
في المقابل، من تكون لديهم هذه السمة منخفضة يتسمون بالتسويف، عدم الترتيب، التهور و الاندفاع.

3. الانبساط: علاقة الشخص بالآخرين
هذه السمة لديها طرفان، إما أن يكون الشخص منطوي أو أن يكون منفتحاً. الشخص المنطوي يتعب للغاية عندما يكون في حالة تفاعل من الناس. و يكون في أفضل حالته عندما يكون وحده.
في المقابل، الشخص المنفتح يكون في قمة الإنبساط عندما يكون وسط الآخرين و يتفاعل معهم.
الشخص المنفتح يكون إجتماعياً، يحب الخروج، متحمس، كثير الكلام، و يتحدث بشكل واضح. مثل هذا النوع من الناس، يمكن أن يجد دائماً موضوعاً ما ليتحدث عنه مع الآخرين.
في المقابل، الشخص الإنطوائي يكون متحفظاً، لا يحب التواصل و التفاعل مع الآخرين، وتجده قليل الكلام.

4. القبول
هذه السمة تحدد توجه الشخص نحو الآخرين. السمة السابقة تحدد من أين يحصل الشخص على طاقته، هل عند تفاعله مع الآخرين أم عند بقائه بمفرده. أما هذه السمة فتحدد كيفية تعامله معهم.
من كانت لديه سمة القبول مرتفعة، نجده يثق في الآخرين، متواضع، صبور، لبق، مهذب، مخلص، غير أناني، خدوم، حساس و مهتم بالآخرين.
هذا النوع من الأشخاص يكونون محبوبين، و يحترمهم الآخرين. عادة يكونون حساسين تجاه احتياجات من حولهم، خصوصاً الإحتياجات المعنوية، و في الغالب لا يكون لديهم أعداء. كذلك يجدهم متعاطفين للغاية مع من يعرفون، بل حتى مع من لا يعرفون.

5. العصابية
هذه السمة تحدد ثقة الشخص في نفسه و بالتالي استقرار مشاعره و مزاجه بشكل عام. كلما زادت هذه السمة لدى الشخص، كلما دلت على مؤشر سلبي.
من الصفات التي ترتبط بالعصابية المرتفعة ما يلي: التشاؤم، التوتر، القلق، الغيرة، سرعة الغضب، الحذر، نقد الذات، و الحساسية المفرطة.
من تكون لديهم سمة العصابية مرتفعة في العادة يكونون عرضة للقلق الدائم و الحزن. أو يكونون غير واثقين بأنفسهم ولا يقدرونها. مثلاً كثيراً ما يعتقدون أنهم ليست لديهم القدرة الكافية لعمل الأشياء التي يجب عملها. و كذلك يمكن أن يكونوا سريعي الغضب.
في المقابل، الأشخاص الذين تنخفض لديهم العصابيةـ يكونون في الأغلب واثقين من أنفسهم و يكون لديهم قدر من الشجاعة.

الخلاصة
فهم أنماط الشخصية ليس ترفًا معرفيًا، بل خطوة أساسية نحو حياة أكثر وعيًا وهدوءًا. عندما ندرك لماذا نتصرف بالطريقة التي نتصرف بها، ولماذا يختلف الآخرون عنا، نصبح أقدر على تقبّل أنفسنا، وأرحم بالناس من حولنا، وأذكى في اختياراتنا اليومية.
في أحسن، نؤمن أن المعرفة الحقيقية هي التي تساعدك أن تعيش بشكل أفضل، لا أن تُصنّف الناس أو تحاصرهم في قوالب جامدة. إذا وجدت في هذا المقال فكرة لامستك، أو فتحت لك زاوية جديدة للفهم، فمشاركتك له قد تكون سببًا في أن يستفيد غيرك أيضًا.
تابع المدونة، وشارك المقال مع من تحب، فربما كانت كلمة بسيطة اليوم… بداية وعيٍ أعمق غدًا.






